تقرير بحث السيد كمال الحيدري لشيخ علي العبادي
44
شرح نهاية الحكمة ( العلة والمعلول )
فتبيّن أنّ فعلَ هذا النوعِ مِن الفاعلِ العلميِّ يتوقّفُ على حضور التصديقِ بوجوب الفعل ، أي كونِه كمالًا وكونِ ما يقابلُه - أي التركِ - خلافَ ذلك ، فإن كان التصديقُ به حاضراً في النفس مِن دون حاجةٍ إلى تعمّلٍ فكريٍّ لم يلبثْ دون أن يأتيَ بالفعل ، وإن لم يكنْ حاضراً احتاجَ إلى تروٍّ وفكرٍ حتّى يطبّقَ على الفعل المأتيِّ به صفةَ الوجوبِ والرجحانِ ، وعلى تركِه صفةَ الاستحالةِ والمرجوحيّة ، مِن غيرِ فرقٍ بين أن يكونَ رُجحانُ الفعل ومرجوحيّةُ التركِ مستندَين إلى طبع الأمر ، كمَن كان قاعداً تحتَ جدارٍ يريدُ أن ينقضَّ عليه ، فإنّه يقومُ خوفاً من انهدامِه عليه ، أو كانا مستندَين إلى إجبارِ مجبرٍ ، كمن كان قاعداً مستظلّاً بجدارٍ فهدّدَهُ جبّارٌ أنّه إن لم يَقُمْ هدَمَ الجدارَ عليه ، فإنّه يقومُ خوفاً من انهدامِه عليه . والفعلُ في الصورتَين إراديٌّ ، والتصديقُ على نحو واحد . ومن هنا يظهرُ أنّ الفعلَ الإجباريَّ لا يباينُ الفعلَ الاختياريَّ ولا يتميّزُ منه بحسب الوجودِ الخارجيِّ ؛ بحيثُ يصيرُ الفاعلُ بالجبر قسيماً للفاعل بالقصد . فقصارى ما يصنعُه المجبِرُ أنّه يجعلُ الفعلَ ذا طرفٍ واحدٍ فيواجِهُ الفاعلُ المكرَهُ فعلًا ذا طرفٍ واحدٍ ليس له إلّا أن يفعَلَه ، كما لو كان الفعلُ بحسب طبعِه كذلك . نعم ، العقلاءُ في سُنَنهم الاجتماعيّةِ فرّقوا بينَ الفعلينِ حفظاً لمصلحة الاجتماع ، ورعايةً لقوانينِهم الجاريةِ المستتبعةِ للمدح والذمِّ والثوابِ والعقاب . فانقسامُ الفعل إلى الاختياريِّ والجبريِّ انقسامٌ اعتباريٌّ لا حقيقيّ .